سيد قطب

2142

في ظلال القرآن

واللّه يستخلص لنفسه من عباده من يخلص نفسه للّه ، ويجردها له وحده ، ويعبده كأنه يراه . وهؤلاء ليس للشيطان عليهم من سلطان . هذا الشرط الذي قرره إبليس - اللعين - قرره وهو يدرك أن لا سبيل إلى سواه ، لأنه سنة اللّه . . أن يستخلص لنفسه من يخلص له نفسه ، وأن يحميه ويرعاه . . ومن ثم كان الجواب : « هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ . إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ . إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ » . . هذا صراط . هذا ناموس . هذه سنة . وهي السنة التي ارتضتها الإرادة قانونا وحكما في الهدى والضلال . « إن عبادي » المخلصين لي ليس لك عليهم سلطان ، ولا لك فيهم تأثير ، ولا تملك أن تزين لهم لأنك عنهم محصور ، ولأنهم منك في حمى ، ولأن مداخلك إلى نفوسهم مغلقة ، وهم يعلقون أبصارهم باللّه ، ويدركون ناموسه بفطرتهم الواصلة إلى اللّه . إنما سلطانك على من اتبعك من الغاوين الضالين . فهو استثناء مقطوع لأن الغاوين ليسوا جزءا من عباد اللّه المخلصين . إن الشيطان لا يتلقف إلا الشاردين كما يتلقف الذئب الشاردة من القطيع . فأما من يخلصون أنفسهم للّه ، فاللّه لا يتركهم للضياع . ورحمة اللّه أوسع ولو تخلفوا فإنهم يثوبون من قريب ! فأما العاقبة . عاقبة الغاوين . فهي معلنة في الساحة منذ البدء : « وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ . لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ » . فهؤلاء الغاوون صنوف ودرجات . والغواية ألوان وأشكال . ولكل باب منهم جزء مقسوم ، بحسب ما يكونون وما يعملون . وينتهي المشهد وقد وصل السياق بالقصة إلى نقطة التركيز وموضع العبرة . ووضح كيف يسلك الشيطان طريقه إلى النفوس . وكيف تغلب خصائص الطين في الإنسان على خصائص النفخة . فأما من يتصل باللّه ويحتفظ بنفخة روحه فلا سلطان عليه للشيطان . . وبمناسبة ذكر مصير الغاوين يذكر مصير المخلصين : « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ . وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ . لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ » . والمتقون هم الذين يرقبون اللّه ويقون أنفسهم عذابه وأسبابه . ولعل العيون في الجنات تقابل في المشهد تلك الأبواب في جهنم وهم يدخلون الجنات بسلام آمنين في مقابل الخوف والفزع هناك . ونزعنا ما في صدورهم من غل ، في مقابل الحقد الذي يغلي به صدر إبليس فيما سلف من السياق . لا يمسهم فيها نصب ولا يخافون منها خروجا . جزاء ما خافوا في الأرض واتقوا فاستحقوا المقام المطمئن الآمن في جوار اللّه الكريم . . . . وبعد ، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما ، على قدر المناسبة : * إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان . فهو تكوين خاص متفرد ، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي ، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء . وأيا كانت نشأة الحياة ، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني . . خاصية الروح الإلهي المودع فيه . .